Wednesday, December 9, 2009


إشكالية التحيز فى الثقافة الغربية

الثقافة الغربية هي نتاج تراكمي لعناصر معرفية متعددة، ترتبط ارتباطا شديداً مع المتغيرات التاريخية للمجتمعات الغربية. وفى واقع الأمر فإن الثقافة الغربية ذات تأثير متبادل مع التاريخ، بحيث كانت الثقافة الغربية تتغير وفقاً للمعطيات التاريخية كما أنها على المستوى الإبداعي تولد حراكاً تاريخياً تابعاً.

يبدوا أن أفلاطون Plato (BC348/427) الفيلسوف اليوناني الشهير كان المنظر الأول للعديد من الأفكار التي أعيد استنباتها فيما بعد، رغم فشلها السابق فى التطبيق والنتائج المزرية للأخلاقيات الأفلاطونية والمشاعية التي نادى بها. ولقد ترك أفلاطون خلفه ميراثا من الأفكار العنصرية فيما قد يعد أول صياغة حقيقية للفكر العنصري. غير أنه كان فى معرض الحديث عن التوازن الطبيعي للمجتمع. فقد نادى أفلاطون بفكرة الطبقات المغلقة Caste والتي تعنى أن الإنسان تتحدد صنعته بما يخلفه له أبوه من حرفة. فليس لأبن صانع الأحذية إلا أن يكون صانع أحذية ولا لأبن الطبيب إلا أن يكون طبيباً. وعلة ذلك عنده هي أن الناس معادن، ومنهم الذهب أو الفضة أو النحاس، وليس من العدل أن تختلط هذه المعادن. واحتقر الأعمال التي تعتمد الآلة فى حسبانها ونادي بأن الحكمة فى العقل وليس فى الآلة، فتوقف العلم عند ذلك لمدة عشرين قرناً فى العالم الغربي.

ونحن إذا ما نظرنا إلى إشكالية مثل إشكالية التحيز، لوجدنا أن هناك ارتباطا آنياً بين الحاجة الاقتصادية والنتاج الثقافي المرافق لعملية إشباع هذه الحاجة. ولعل تجارة الرقيق التي انتشرت فى القرون الثلاثة من الخامس عشر وحتى الثامن عشر لهى أكبر دليل على ذلك.

فالكاتب المسرحي الإنجليزي الشهير ويليام شكسبير ( مات سنة 1616) والذي يميز به الأدب الإنجليزي ويعتبرونه الماركة المسجلة للرواية المسرحية الغربية كان من أهم المروجين للعنصرية القائمة على اختلاف اللون والتي تعظم اللون الأبيض على حساب اللون الأسود. ويتضح ذلك جلياً فى رواياته ولا سيما رواية عطيل Otello والتي نشرها فى أوج شهرته سنة 1605 كانت تقطر كراهية للون الأسود وتبث روح العداء والإستعباد. ولا عجب أن موجة اختطاف الأطفال السود من السواحل الأفريقية واستعبادهم فى أرض العالم الجديد أميركا ( ويمثل أحفادهم الأميركيون السود الآن) وبريطانيا والنهوض على أكتاف وثروات الشعوب الأفريقية المنهوبة. وقد أقر القانون البريطاني وشرع استرقاق الأفارقة السود عام 1729 فيما يعزى للتأثير الثقافي واعتناق المجتمع البريطاني لأفكار شكسبير ومن هم على شاكلته.

أما على مستوى الرواية فقد اشتهرت رواية موبى دك (Moby Dick) بأكثر مما اشتهر مؤلفها الأميركي هيرمان ميلفيل Herman Melville (1819-1891) وهى تمثل ترقية اللون الأبيض لدرجة أن أحد فصول الرواية قد أسماه المؤلف ( بياض الحوت) وكان موبى دك هو اسم الحوت الذي يسعى كابتن اهاب Ahab لقتله. ونلاحظ فى هذه الرواية تطابق أسماء الشخصيات مع أسماء مأخوذة عن الإنجيل، فما هي الخلفية وراء ذلك؟ وقد كانت لنفس الروائي أسمها " المعطف الأبيض The white jacket" والتي لها أسم آخر هو " عالم الرجل المحارب The world of the man of war" وهو يقصد به الرجل الأبيض طبعاً.

ثم تتضافر عملية رفع البناء لتلك الأساسات الواهية للفكر الغربي التالي لشكسبير و هيرمان، فيظهر بعد ذلك التوجه نحو فبركة الأبحاث العلمية لأغراض فكرية استيطانية على يد اليهودي تشارلز داروين Charles Robert Darwin (1809-1882) والذي قام بفبركة أبحاث علمية لعينات أخذت من أزمنة مختلفة وأماكن مختلفة ليدعى أن الكائنات تتطور وتورث هذا التطور لسلالاتها المتعاقبة مما يؤدى إلى حدوث طفرات نوعية. وذلك يعنى أن الكائنات المتواجدة على الأرض حالياً هي نتاج لحيوانات سابقة قد تختلف عنها تماماً. والذي يجرى على الحيوان فى ذلك يجرى على الإنسان. بل ذهب إلى أبعد من ذلك ليدعى أنه وجد عينات حفرية تؤكد أن الإنسان أصله قرد. وبناءً على ذلك قامت حركات متطرفة تعتمد على أن هناك أجناس لم تتطور بما يكفى مما يضعها فى مرتبة بين الإنسان والحيوان. وهى فكرة لا تختلف كثيراً عن الطبقات فى المدرسة الأفلاطونية.

المفكر الإنجليزي "جوزيف كبلنج" (1865-1936) والحائز على جائزة نوبل المشبوهة، هو الذي قال "الشرق شرق، والغرب غرب، وهما ثقافتان ومفاهيم لن يلتقيا" أخذت حقيقة هذه العبارة تتجر في أرض الواقع، في الشرق والغرب على حد سواء، وترسخ أكثر مما سبق، ذلك أن هذه الفرقة بين الشرق والغرب ليست وليدة القرن التاسع عشر وحقبة الاستعمار، وإنما هي أمر يعود إلى صراعات متتالية عبر القرون.

وبعد سقوط الخلافة العثمانية فى مارس 1924 تجرأت أبواق الثقافة الغربية ونعتت الإسلام والمسلمين بتهم لا تدل إلا على التحيز الكامل وعدم الإنصاف. واشتركت فى ذلك كافة القوى الغربية فى احتلال الأراضي الإسلامية ومحاولة صد المسلمين عن الدين الإسلامي والثقافة الإسلامية بكافة الطرق. فظهرت كل خفايا الثقافة الغربية وانحيازها عن الحق إلى الباطل وتكريسها لمفاهيم باطلة. ثم اخترعت فكرة الإرهاب وألصقتها بالإسلام والمسلمين حتى أصبحت علامة لهم. ونحن إذ نعرض لذلك فإنما لتشحذ أقلام المثقفين فى الذود عن ثقافتا الأصيلة التي كانت ولا تزال فخراً لتاريخ الإنسانية جمعاء.

No comments:

Post a Comment